السيد عبد الله شبر
82
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
ثمّ أكّد ذلك بقوله عليه السلام : ( والعلم متقدّم على المشيّة ) ، وهو الأوّل بالنسبة إليها ، ( والمشيّة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء ) . والنسبة بين التقدير والقضاء كالنسبة بين العلم والمعلوم في التقدّم والتأخّر ، فكما أنّ العلم واقع على القضاء منطبق عليه إذا وجد المعلوم ، كذلك التقدير واقع على القضاء منطبق عليه إذا وُجد القضاء بالإمضاء ، ثمّ لمّا كان الانطباق من الطرفين كان القضاء أيضاً منطبقاً على التقدير ، واقعاً على وفقه . ( فللّه البَداء في ما علم ، متى شاء وفي ما أراد لتقدير الأشياء ، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء ) يعني أنّ الدخول في العلم أوّل مراتب السلوك إلى الوجود العينيّ ، وله البداء في ما علم متى شاء أن يبدو ، وفي ما أراد ، وحرّك الأسباب نحو تحريكه متى شاء قبل الإيجاب ، فإذا وقع القضاء متلبّساً بالإمضاء فلا بداء . والحاصل : أنّ تلك الأسباب إذا لوحظت من أوّلها إلى أعلى المسبّبات وهو القضاء بالإمضاء فلا بداء ، وكان له تعالى البَداء في كلّ مرتبة من مراتب تلك الأسباب ؛ إذ له أن يشاء وأن لا يشاء بقدرته واختياره على ما يقتضيه الحكمة والمصلحة ، وأن يريد وأن لا يريد ، وأن يقدّر وأن لا يقدّر ، وهذا معنى البداء في حقّه تعالى . وإذا لوحظتْ تلك المسبّبات من آخرها - وهو القضاء بالإمضاء - فلا بَداء له في شيء من مراتبها ؛ لأنّ تحقّق القضاء دليل على وقوع جميع أسبابها ووقوع ما وقع خارج عن متعلّق القدرة والإرادة ؛ إذ لا يقدر أحد على إيقاع ما وقع ، ولا يمكن له إرادته ؛ لأنّ القدرة والإرادة إنّما يتعلّقان بالشيء قبل وقوعه لا بعده . ثمّ أشار عليه السلام إلى أنّ كلّاً من العلم والمشيّة والإرادة والتقدير متعلّقٌ بمتعلّقه قبل وجود ذلك المتعلّق في الأعيان على سبيل التفريع ؛ لكونه نتيجة للسابق ومعلوماً منه بقوله عليه السلام : ( فالعلم بالمعلوم قبل كونه ) أي قبل كون المعلوم وحصوله في الأذهان والأعيان بمراتب ؛ لأنّ العلم أزليّ والمعلوم حادث . ( والمشيّة في المنشأ قبل عينه ) أي قبل وجوده في الأعيان بمرتبتي الإرادة والتقدير ، أو المراد : قبل تعيّن عينه وحقيقته . ( والإرادة في المراد قبل قيامه ) في الزمان والمكان ، والحاصل قبل وجوده في